[:BODY:]

عدد زوار موقعنا

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم220
mod_vvisit_counterالأمس258
mod_vvisit_counterهذا الأسبوع1741
mod_vvisit_counterالأسبوع الفائت1864
mod_vvisit_counterهذا الشهر5678
mod_vvisit_counterالشهر الفائت9268
mod_vvisit_counterالمجموع611830
[:COMPONENT:]
تاريخ الشيشان طباعة إرسال إلى صديق



تاريخ الشيشان

منذ الأزمان الغابرة وحتى نهاية القرن الثامن عشر

البروفيسور أحمادوف يافوس ز.

موسكو

2007

ترجمة

د. أمين شمس الدين

عمان 2008

تاريخ الشيشان

منذ الأزمان الغابرة وحتى نهاية القرن الثامن عشر

أصدرت دار نشر "السلام عليكم" في موسكو كتاباً بعنوان "تاريخ الشيشان منذ الأزمان الغابرة وحتى نهاية القرن الثامن عشر"، 2007م،  لمؤلفه الأستاذ الدكتور أحمادوف ي. الشيشاني. ويكشف الكتاب النقاب عن أهم الأحداث التاريخية- الإثنية- السياسية للشعب الشيشاني (الناخـيّ)، بدءاً من عصر نشوء اللغات، وحتى نهاية القرن الثامن عشر. كما وتم تتبع علاقات الشيشان القدامى مع شعوب آسيا الأمامية، وتم كشف الغطاء عن نشوء الإتنوس الناخي، والتطور الحضاري، واستخدام الأرض للفلاحة على الأراضي التي تكون اليوم القوقاز الشمالي ومن ضمنها بلاد الشيشان، وذلك في عصر البرونزي وعصر الحديدي. ويوضح الكتاب مسائل العلاقات الإثنية- السياسية لشعب الناخي مع شعوب جورجيا، وأرمينيا، والفرس، والأَلَن، والخلافة العربية، والخزر، والأورطة الذهبية (الأوردي) وغيرها من الشعوب والقبائل القديمة.

          كما ويلقي الكتاب الضوء على التاريخ السياسي المضطرب للشعب الشيشاني في نهاية العصور الوسطى، وكذلك العلاقات الشيشانية المعقدة في المرحلة ما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر مع روسيا القيصرية، وإيران الشاه، والإمبراطورية العثمانية.

          لا نستطيع اليوم أن نقول بأن المؤلفات المكتوبة عن بلاد الشيشان والشيشانيين، وكذلك الأبحاث والدراسات التاريخية المتعلقة بهم قليلة. وقبل ظهور هذا الكتاب الذي بين يدينا لم يكن فيما مضى تاريخا مكتوباً ومصنّفاً للشعب الشيشاني. وهذا الفراغ الكبير قام بسدّه البروفيسور في التاريخ أحمادوف يافوس. ويعتبر هذا الكتاب دليلاً ومادة تدريسية لكل المهتمين بتاريخ القوقاز وشعوبه.

          ونحن إذ نعرض مقتطفات من هذا الكتاب، نأمل من القارىء التعرف على الفصول التالية منه:

- شمال القوقاز في القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن الرابع بعد الميلاد.

- شمال القوقاز في مرحلة بداية العصور الوسطى (الفترة ما بين القرنين 5-8).

- الشعوب الناخية (الشيشان والإنجوش والباتسبي والبشاف) في ما وراء القوقاز وفي شمال القوقاز في الفترة ما بين القرنين 8- 13.

- انتشار الإسلام في منطقة شمال القوقاز.

- حملات جنكيزخان وأثرها على شمال القوقاز.

- البناء الاجتماعي- السياسي والحياتي ما بين القرنين 16-18

- الوضع السياسي في الشيشان ما بين القرنين 16-18

- التواجد الروسي على ضفاف نهر التِّرك في القرنين 16-18

- حركات التحرر الوطنية في الشيشان ما بين القرنين 16-18

المقدمة

الشيشان- أو كما يُسَمّون أنفسَهم ناخْتشُويّْ/ نُوخْتشِي، هم أحد الشعوب القديمة جداً في شمال القوقاز، مع تميز أنثر وبولوجي، وخواص إتنية، وأصالة وطنية، ولغة غنية.

          والمنطقة التاريخية لأصل الشيشان ومكان عيشهم هي بلاد الشيشان، والتي تشكل اليوم جمهورية باسمهم. وتقع هذه المنطقة في الجزء الشمالي- الشرقي لشمال القوقاز. وتشكل مساحة الجمهورية اليوم 17 ألف و200 كم2، ويزيد عدد سكانها عن المليون نسمة، شيشانيون في معظمهم. أما عدد الشيشان في العالم حسب مصادر مختلفة فيبلغ مليون و500 ألف إلى مليون و 700 ألف نسمة، ومع إخوانهم الإنجوش يصل عدد الوايناخ إلى 2 مليون نسمة، منهم حوالي مليون ونصف المليون يقطنون في روسيا الاتحادية. ومن حيث العدد يشكل الشيشان المركز الرابع في القوقاز (بعد الأذريين والجورجيين والأرمن)، وكذلك الأمر في روسيا الاتحادية (بعد الروس والتتار والأوكرانيين).

          إن أحدث معطيات علم الآثار وعلم اللغات وعلم الأجناس وعلم الاجتماع وغيرها من العلوم تمكننا القول اليوم بأنه منذ الأزمان الغابرة وُجِدت بيئة اتنوثقافية مُوَحّدة على السفوح الجنوبية والشمالية لسلسلة جبال القوقاز الكبرى، من بحر قزوين وحتى البحر الأسود. وعلى هذا الأساس تشكّلت لغات جبلية وثقافات متباينة عبر آلاف السنين. وبنفس الوقت فإن هذه البيئة اشتُقّت من البؤرة البشرية لآسيا الأمامية، لذا يمكننا التأكيد على أن ثقافة العصر الحجري وبداية العصر البرونزي في منطقة القوقاز وفي آسيا الأمامية تعود من الناحية العملية إلى جميع الشعوب القاطنة في هذا الجزء من الكرة الأرضية.  

          وأحمادوف يرى من خلال إلقاء الضوء على تاريخ الشيشان القديم، ضرورة استخدام التعبير الإتني (العرقي) "ناخ/ ناخيّ" أو الناخيّون. وكما هو معلوم فإن بداية اللغة الناخية والإتنوس (العرق) الناخي، كما هو الحال لدى كل الشعوب والأقوام في شرق القوقاز، ومن ضمنهم الداغستانيون، الذين يدخلون في عائلة لُغوية واحدة مع الشيشانيين ظهرت بفترة ليست بأقرب من 10 آلاف سنة مضت. وتَشَكُّل الشيشان كأمة أو كشعب (على أساس الأرضية الناخية) وحسب المفاهيم الحديثة ينتهي عند الفترة  ما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر، عندما استُخدِمت التسمية القومية العامة لهم بتعبير "ناخْتشُوْي أو نُوْخْتشِي"، والتي تعتبر من الأصل الغابر "ناخْ"- أي ناس/ قوم.

          وفي قديم العصور الوسطى كان الإتنونيم "ناخْتشُوي/ نُوْخْتشي" يعني سُلالة ضَمَّت بشكل أساس سكان الجزء الجنوبي- الشرقي لبلاد الشيشان "ناخْتشي- موْخْكْ"، أي أرض الشيشان. وفي الأدب معروف الأتنونيم "ناخْتشُويْ/ نُوْخْتشِي" على أقل تقدير منذ القرن السابع بعد الميلاد. واليوم يتكلَّم بِلُغة "الناخ" حصراً بعض الشعوب فقط: الشيشان، والإنجوش، وباتْسْبي سكان جورجيا.

          هناك إتنونيم آخر منتشر، وهو- "تشيتشين- تشيتشينتسي"، أي الشيشان والشيشانيون كما ينطقها الروس، إضافة إلى الألفاظ تشاتشان، ساسان، تساتسان، شاشان و(شيشان بطبيعة الحال)، وكل هذه التسميات واردة في المراجع والمخطوطات الجورجية والعربية للفترة ما بين القرن الثامن والرابع عشر. كان ذلك هو احتمال ظهور أول تسمية فارسية للناخيين، مشتقة من اسم بلدة تشيتشينْ الكبيرة، ونفس الشيء بالنسبة إلى الأراضي السهلية الشاسعة المأهولة، والتي تسمى بالشيشانية "تشيتشين آريْهْ"، أي المناطق الشيشانية السهلية.

شمال القوقاز في القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن الرابع بعد الميلاد

تطور القبائل الناخية في المئات الأخيرة من سنوات ما قبل الميلاد

 والعلاقات مع الصرامطة أو السرْماطيين

         

في المناطق التي سكنتها القبائل الناخية في هذه الفترة تم اكتشاف آثار مادية لِثَقافات "الكُبان" و "كَياكِنْتْ- خاراتْشُويْ" (وهي جزء من محافظات في شمال الداغستان وشرق الشيشان)، وكذلك آثار لعناصر ثقافية من قبائل رُحّل، وقبائل الصَّرامِطة.

          كيف يشرح لنا البروفيسور أخمادوف تاريخ علاقات الناخيين مع الصرامطة؟

          إن المناطق الرئيسة التي سكنها الصرامطة الناطقين باللغة الفارسية (قبائل سيراق وأُوْرْس أو الأورارت- المترجم) هي نفسها التي شغلها قبلهم السكِيفيّون الرُّحّل، وهي سهوب نهر الدّون السُّفلى (المناطق المشرِفة على بحر آزوف). وفي القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد تحكّم الصرامطة تقريباً بكل المناطق المشرفة على القوقاز الأمامي: وهي ضفاف نهر كُوبان ونهر التِّرِكْ، والأراضي المطلَّة على الجزء الشمالي- الغربي لبحر قزوين. وبعض الاكتشافات الأثرية، وبالتحديد أماكن دفن الموتى تشير أحياناً إلى أن المدافن السرماطية تسود فيها أشياء شبيهة بالتي في المدافن القوقازية (الكُبانية). ومن حيث الثقافة المادية تَخَلَّف الصرامطة بشكل عام عن القبائل الناخية، وبالتحديد لم يستخدم الصرامطة الدوائر أو الحلْقات الفخارية، ولم يعرفوا أعمال سبك المعادن، غير أنهم كانوا يزيدون عددا، ولهم تنظيم اجتماعي أعلى (كان لهم زعماء قبائل وأمراء) وتفوقوا من حيث المستوى الحربي.

          وأكثر ما تكون الثقافة المادية للسكان المحليين الصرامطة وضوحاً في عصرهم، هو ما تركوه في بلاد الشيشان، متمثلاً بأعداد كبيرة من المدن الصغيرة، وتجمعات سكانية على ضفاف نهر الترك ونهر السونجا وروافدهما- كَوَّنَت معاً نظاماً دفاعياً متميّزاً.

          والفترة بين القرن الأول قبل الميلاد وما بين القرن الأول بعده في منطقة شمال القوقاز، تُذَكِّرنا بالأعمال اليدوية القديمة (الأنتيكة)، الرومانية واليونانية حسب ما يذكره الجغرافيون والمؤرخون.

وقد بيّنت الشعوب القوقازية والصرامطة أنهم قوة يُحسب حسابها في المنطقة في الحرب والسياسة. وقد انصبَّ جُلّ اهتمام المؤرخين والجغرافيين نحو اتحاد قبائل الصرامطة- السيراق والأُوْرْسْ. وبعض علماء الآثار المعاصرين سَمّوا بعض السكان المحليين في كثير من الأحيان- صرامطة.

          وبراري القوقاز الأمامي (والتي يطلق عليها اليوم تسمية "صرماتيا"، وليس "سْكِيفيا") خَضَعت لسلطة مجموعتين من القبائل الرحّل: أؤُرْسي، والذين أخضعوا منطقة قزوين الشمالية- الغربية (ومن ضمنها شمال الداغستان)، ووصلوا إلى سهوب ستافروبول؛ والسِّيراكي (السِّيراق)، ومركزهم مدينة مانيتش في البداية، ثم توزّعوا منها تحت تأثير عوامل مختلفة إلى الجنوب عند ضفاف نهر كُوبان، وإلى الجنوب الشرقي عند ضفاف ملتقى نهري التِّرِك والسُّونْجا.

          إن العلاقات الطويلة بين الأوْرْْس 0الأورارت) وما بين السِّيراكي تحوّلت إلى حروب. وكان لهاتين القبيلتين تأثيراً على شعوب شمال القوقاز أيضاً.

          في المرحلة الأولى من العلاقات المتبادلة مع شعوب القوقاز عامل الصرامطة أهلَها كأعداء لهم. وحتى الآن نشاهد في بعض اللغات القوقازية، ومن ضمنها اللغة الناخيّة (الشيشانية) تعبير "صَرْمات/ تسارْمات"، ويشير إلى الهائل أو المخيف، أو إلى الشخص البدائي، المتوحش والإنسان السلبي..الخ.

          إلا أن صورة العلاقات بين الصرامطة وناخ- كُوبانتسي، تغيّرَت إلى علاقات إيجابية وبسرعة كبيرة نوعا ما. وهكذا ففي بداية القرن الثالث قبل الميلاد اتحد الصرامطة والزُورْزُوقْ (ناخ- كُوبانتسِي) في اتحاد، وأنشأوا دولة كارْتِيلي (الإيبيرية) فيما وراء القوقاز.

          وفي نهاية الحقبة التاريخية القديمة وحسب المؤرخين القدماء أصبحت علاقة الصرامطة مع الناخيّين القريبين من منطقة إيبيريا من جهة الشمال علاقة حُسن جِوار، بل علاقات قرابة. ومن الممكن التوقع والقول بجرأة اختلاط السكان من صرامطة وقوقازيين في المناطق السهلية من البلاد.

الألن (الألان) في شمال القوقاز و الناخ الجبليين

 في هضبة القوقاز الكبرى

         

ظهرت في القرن الأول بعد الميلاد على المسرح التاريخي اتحادات جديدة لشعوب البراري والسهوب في الجنوب الشرقي الأوروبي والقوقاز الأمامي، والذين يسمون في التاريخ-  الألَن أو الألان. إن من الخصائص الميّزة لخطوات الألن الأولى في الساحة التاريخية في أوروبا كان اتحادهم القوي مع شعوب شمال القوقاز. ومما ساعد على هذا الاتحاد هو تعدد طوائف سكان السهول (الإيرانية - القوقازية) في شمال القوقاز وقبائل الأورْس والسِّيراق مجتمعة، والتي كانت تربطهم مع السكان المحليين روابط سياسية واقتصادية وطيدة.

          وفي الثلث الأخير من القرن الأول وبداية القرن الثاني بعد الميلاد ظهرت أمواج جديدة من القبائل الرّحل، حاولت أيضا الوصول إلى ما وراء القوقاز عن طريق الأودية والممرات الجبلية. وتُسَمّي المعطيات التاريخية القديمة تلك القبائل- الأَلَنْ (الألان). ولفظ "أَلانْيا" هو تسمية لِبَلَد أو لِشَعب، كما تقول تلك المعطيات بأن الألن توسّعوا في شمال القوقاز: من نهر كوبان إلى نهر التِّرِكْ. وتحوّل الألن في هذه الأراضي بشكل سريع إلى نمط الحياة الحَضَريّة، واستولت على مناطق الصرامطة المأهولة، إضافة إلى إقامة مناطق سكنية جديدة وبلدات (هي اليوم نفس مدن

عَلْخانْ- كالا، سِيْرْنوفُودْسْكْْ، غورياتْشِي إسْتُوتشْنِيكْ، عَلي- يُورْتْ، مُوْزْدوكْ وغيرها..). وفي بعض المناطق عند سفوح جبال بلاد الشيشان الشرقية والداغستان والإنجوش وأوسيتيا والقبرطاي والشركس جَرَت عملية اختلاط الألن مع هذه الشعوب الجذرية للمنطقة. ويمكن القول أن ما بين القرنين الثاني والرابع بعد الميلاد تَشَكّلَ مجتمع جديد على ضفاف نهر الترك، يُسَمَّى "اَلَنْ القوقاز الشمالي" من الرحّل الذين تَحَضَّروا، واستَقرّوا واختلطوا مع الشعوب الأصلية في المنطقة.

          ومفهوم "ثقافة الأَلَنْ" و "أَلَنْ القوقاز الشمالي" يحمل في طياته وبشكل ليس بالقليل صفة مُمَيَّزة عن قبائل الألن الرُّحَّل.

غزوات الناخيين- الألن (الألان) في ما وراء القوقاز

التنافس الروماني- الإيراني في القوقاز

         

انجَرَّت شعوب ما وراء القوقاز في السابق بنشاط نحو علاقات متبادلة مع إمبراطوريات عظيمة كالرومان، والبارْفيين، والبونْت، والبُسبور. وكان ذلك في بداية القرن الثاني قبل الميلاد. وخلال تلك الفترة استمال هؤلاء الحكام الجبليون القوقاز في نشاطاتهم السياسية الخارجية، ومنهم بشكل رئيس الناخيين- الزُّورْزوق وجيرانهم من الصرامطة- الألَن.

          وفي القرن الثاني قبل الميلاد، كانت أرمينيا تخوض حروباً للتوسع بأراضيها مما أزعَجَ روما، التي أرسلت جيوشها لاحتلال أرمينيا، وكان ذلك لفترة قصيرة كما تبين فيما بعد. وفي بداية القرن الأول للميلاد أصبحت أرمينيا ساحة لمعارك طاحنة بين الرومان والبارفيين وما بين الإيبيريين. وانتصرت في تلك المعارك دولة إيبيريا، والتي قامت بتعزيز مواقعها في ما وراء القوقاز بمساعدة جيرانها من الشمال- الصرامطة والجبليين القوقاز.

          لقد استطاعت الإمبراطورية الإيبيرية في واقع الأمر أن تتحكم في النشاطات الجارية في عموم القوقاز. كان ذلك في القرن الثاني الميلادي.

قد مكَّن موقع إيبيريا عند نقطة تقاطع المصالح السياسية في الجبال والسهول، وعند حضارات متطورة ودول عظيمة، من أن تلعب دوراً متعاظماً في مصائر كل الناخيّين. إلا أنه في القرن الثالث الميلادي ضعفت إيبيريا، واستغل الساسانيون هذه الفرصة، والذين كانوا بدورهم يُحاربون الأرمن والجورجيين، أضطر معها النبلاء الإيبيريون، بعد طول صراع مع الغازي الجديد، للمصالحة مع الساسانيين. وقَرَّرَوا دعوة ابن الشاه الإيراني إلى عرش إيبيريا. وحاول الشاه الساساني إخضاع شعوب القوقاز الجبلية، مما أدى إلى قيام حركات مسلحة عديدة من قِبَل الألَن والناخيين- الزُّوْرْزُوْقْ.

          وما بين القرنين الثالث والرابع الميلادي، قامت إيبيريا وأرمينيا باعتناق الدين المسيحي، في محاولات للخروج من التأثير الإيديولوجي الإيراني. وتحت تأثير المسيحية وأسباب سياسية متنوعة كان الجيران الجنوبيون للناخيين- الزورزوق، وهم إيبيريا وأرمينيا يميلون لدعم الرومان أكثر منه للسّاسان. وتَظهَر الأساطير الرومانية مرة أخرى في ما وراء القوقاز. وقام الرومان بدعم الأرمن والجورجيين الذين انحازوا لهم. وفي نهاية القرن الرابع قامت إيران بتعزيز سيادتها على أرمينيا وإيبيريا، إضافة إلى أنها قامت بطرد الرومان من مناطق وولايات كثيرة. إن إعادة النفوذ الإيراني أثّر على الوضع السياسي لتلك الشعوب، التي تضعضعت أراضيها التي ربطت بين ما وراء القوقاز وما بين شماله.

          وحسب المؤرخ البروفيسور أخمادوف، يتضح من نتيجة الدراسة بأن تاريخ قبائل الناّخْ في القرون الأولى من عصرنا ارتبط مع جورجيا وأرمينيا وإيران والإمبراطورية الرومانية وآسيا الأمامية بشكل عام بروابط متينة.

شمال القوقاز أوائل العصور الوسطى (القرن  5-8  ميلادي)

غزوات الهون. العمليات الإثنية- السياسية في شمال القوقاز

          تعتبر الفترة الواقعة ما بين القرنين الرابع والخامس للميلاد فترة تَشَكُّل خطوط حدودية في تطور الحضارات العالمية. وقد حصلت في هذه الفترة    هزّات عنيفة أدّت إلى الهجرة الكبرى للشعوب، وانهيار الإمبراطورية الرومانية. إن بداية الهجرة الكبرى للشعوب ترتبط بحملات قبائل الهون، التي تكونت من اتحاد عدة قبائل رحّل ناطقة باللغة التركية وعملت في تربية الماشية. وكان الهون آنذاك يهدّدون بلاد الصين.

          وفي القرون الأولى للعصر الحديث تم تحطيم الهون إلى أجزاء على يد الجيوش الصينية، وتراجعوا إثرها نحو الغرب. وفي آواخر القرن الرابع  للميلاد وصل الهون إلى سهوب أوروبا الشرقية، متقدمين حتى مشارف القوقاز الأمامي حيث اصطدموا بالألَن. واجتاح الهون تلك البلاد، وقاموا بتدمير كل شيء يصادفونه ما بين نهري الدون والفولغا. انقسموا فيما بعد إلى فريقين. اتجه الفريق الرئيس إلى الأراضي المحيطة بالبحر الأسود من الشمال يدفعون أمامهم أعداداً هائلة من الألَن، الذين كانوا يجولون في الأراضي الواقعة ما بين النهرين المذكورين. أما الفريق الثاني فقد واصل اتجاهه صوب الجنوب، وهَزَم ألَن شمال القوقاز والقبائل القوقازية الجذرية القاطنة على ضفاف كل من نهر تِرِك ونهر كُوبان.

          إن اجتياح الهون لشمال القوقاز قد غَيَّر من الأساس خارِطة المنطقة الإتنية- السياسية. وتم إبعاد الألَن من السهول والسهوب إلى سفوح الجبال والأودية المحاذية لسلسلة جبال القوقاز الكبرى. وتم تقويض القوى المنتِجة في هذه المناطق كلها. وحَطَّ الألَن في الأماكن المحاذية للمعابر الجبلية في الجزء الأوسط من القوقاز، وشَغَلوا أعالي نهر كوبان. وزادت في هذه المنطقة كثافة السكان بشكل ملحوظ. وعندما أُقِرَّ هنا نوع من السلام والاستقرار (القرن الخامس والسابع الميلاديين) حَدَث انفجار ديمغرافي فريد من نوعه. وربما تكون هذه الفترة هي المرحلة التي يمكننا أن نعزي إليها بداية تأثير اللغة الإيرانية على جزء من شعب الوايناخ في القوقاز الأوسط.

          وفي الواقع، بدأت الاختلافات الثقافية- القبلية لأحفاد الوايناخ في شرق نهر الكوبان وغربه تتشكل تحت تأثير الألَن والأتراك.

          وهكذا أثّر الألَن على الأرجح بهذا الشكل أو ذاك على السكان الناخيين في مناطق القوقاز الأوسط السهلية (سْتافْروبول، قباردا، جزء من الإنجوش وشيشانيا). وتحت تأثير الألَن وإشغالهم مناطق الشيشان والأوسيت السهلية، أدّى إلى أن يتجه جزء من السكان الجذريين من المناطق السهلية صوب الجبال، والجزء الآخر بقي في المناطق السهلية بجوار مدن الألن، أو أنهم كوَّنوا مجتمعات عيش وحياة واحدة معهم. وهكذا أيضا بدأت  مجموعة لغوية إتنية كبيرة تتفكّك بصورة تدريجية.

          إن هذه التغيرات التي طرأت على الوضع الإتني في شمال القوقاز ارتبطت ليس بالتماسك المُحْكَم للأَلَن القاطنين في المناطق السهلية فحسب، ولكن أيضاً بقدوم شعوب ناطقة باللغة التركية إلى سهوب مشارف القوقاز وما وراء نهري كوبان وتِرِكْ.

          في نهاية القرن السادس نلاحظ انتقال السيطرة السياسية في شمال القوقاز إلى يد الخَزَرْ، والتي دخلت ضمن سيطرتهم أجزاء من أراضي الشيشان الشمالية- الشرقية (ضفاف حوض الترك)، حيث انتصَبَت حصون الخَزَر. ويُصبح الأَلان موالين للخزر مع غيرهم من الشعوب الناطقة بالتركية.

الناخيّون (الشيشان والإنجوش) والأَلان وحروبهم مع

 الإيرانيين والبيزنطيين

من أجل الاستحواذ على ما وراء القوقاز

         

إن الوضع السياسي للناخيين ما بين القرنين الخامس والسابع للميلاد حَدَّدَهُ التعامل والتفاعل مع العالم الأَلَـني والتركي في الشمال وفي الغرب، و مع الشعوب الداغستانية القريبة نَسَباً من جهة الشرق، وكذلك مع بلدان ما وراء القوقاز وإيران من جهة الجنوب. وفي هذه المرحلة لعبت إيران الساسانيدي دوراً واضحاً في تاريخ جميع شعوب ما وراء القوقاز وشماله.

          ضيّق الساسانيون خناقهم على الرومان في منطقة آسيا الأمامية، ونتيجة لذلك ضَعُفت مواقع الرومان تماماً في ما وراء القوقاز. وقد حاول الساسانيون غرس تعاليمهم الزّرَداشتية الرسمية، مما أثار حفيظة الأرمن والجورجيين، الذين قاموا باحتجاجات سياسية وبمقاومة إيديولوجية، على شكل اعتناق المسيحية.

          كان التوجه المهم في السياسة الخارجية الساسانيدية خلال قرون من الزمن نحو القوقاز الكبير بمعابره وطُرُقه الجبلية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف خاضت إيران حروباً عديدة ضد البيزنطيين والجورجيين والأرمن. وخلال ذلك حاول كل طرف وبنجاح استمالة الشعوب الناخية والألان والهون نحوه. ومن الناحية الفعلية شارك الشعب الناخيّ تقريباً مع جميع جيوش الفئات المتحاربة. إن الحروب الإيرانية- البيزنطية أثّرَت بشكل كبير على مصير جميع شعوب شمال القوقاز السياسي، ومن ضمنهم الناخيين. وتوَسَّعَت مشاركاتهم في الأنشطة الدولية، وتدفّقت مصادر مادية ملموسة إلى مناطقهم.

          وبنفس الوقت فإيران الزّرَداشتية وبيزنطية المسيحية أضعفتا إحداهما الأخرى نتيجة الحروب الطويلة فيما بينهما (على أراضي الناخيين والألان والهون) في صراعهما من أجل الاستحواذ على ما وراء القوقاز ومعابره الجبلية. وهذا الوضع أثر بطريق سلبية جداً على وضع الإمبراطوريتين. فهاتان الإمبراطوريتان وكذلك كل القوقاز أصبحوا هدفاً لهجوم دولة عظمى جديدة، هي دولة الخلافة العربية.

أَلان شمال القوقاز والناخييون في مرحلة الحملة العسكرية

 لدولة الخلافة العربية على القوقاز وعلى دولة الخَزَر

          في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي حلّت مرحلة نوعية جديدة في تطور الأوضاع الإتنية- السياسية في القوقاز، والتي ارتبطت بظهور ديانة عالمية جديدة- الإسلام، وحلول دولة الخلافة العربية.

          وقد ظهر الإسلام ليس على ملتقى ثلاث قارات هي آسيا وأفريقيا وأوروبا فحسب، ولكن على مفترق طرق لتحوّلات اجتماعية مختلفة تاريخياً (إلا أنها وُجِدت معاً)- وهو عصر العبودية الهَرِم، نظام المجتمع العشائري القبلي، وظهور العلاقات الإقطاعية للعصور الوسطى البدائية.

          لقد قام الخلفاء العرب في أواسط القرن السابع الميلادي باحتلال المقاطعات الغربية لإيران. وفي بداية القرن الثامن قاموا بفتوحاتهم في منطقة القوقاز وخصوصاً بلاد الكُرج (جورجيا). وقامت دولة الخَزَر ضد العرب. وفي القرن التاسع، وبصعوبة فائقة استطاعت دولة الخزر إعادة بسط نفوذها في منطقة شمال القوقاز. وفيما بعد، وبعد أن أُنهِكت دولتا الخلافة والخزر من كثرة الحروب والتناقضات الاجتماعية والإتنية الداخلية، لم تستطيعا الاستمرار في عملياتهما الحربية بشكل واسع في القوقاز.

          والشعب الناخيّ الذي عاش على السفوح الجبلية الجنوبية للقوقاز لعب دوراً معيّناً أمام الفاتحين العرب في المنطقة، مساهمين بذات الوقت بانبعاث ونهضة جورجيا.

          إن موقف الناخيين الجنوبيين يشرحه الكاتب أحمادوف، قائلاً: إن الناخيين لم يمتلكوا دوافع أو حوافز حقيقية للاعتراف بسلطة العرب وتقبل الدين الإسلامي، كالذي أتى به على سبيل المثال قبلهم الساسانيد والبيزنط بشكل قسري. فالناخيون لم يكونوا يدفعون ضرائب (جزية) للقياصرة والأمراء الجورجيين، بل على العكس من ذلك تقاضوا منهم مراتب وأجور. فالناخيون كانوا يشكلون ذلك الجزء من المواطنين المُمَيَّزين للإمبراطورية الجورجية، وحكموا أنفسهم بأنفسهم. إضافة إلى ذلك فهم، أي الناخيون، استخدموا منذ القدم المراعي السهلية الجورجية. وعند قدوم العرب فأول ما قاموا به هؤلاء هو الاستيلاء على هذه المراعي اللازمة لهم لرعي قطعان ماشيتهم والخيول. وكل هذه الأحوال والظروف حثّت الجبليين على مقاومة الغزو العربي ورده عن بلادهم، ومشاركتهم الجورجيين والألن والخزر بنشاط في صراعهم من أجل الاستقلال.

ناخيّو ما وراء القوقاز وشماله ما بين القرنين 8 - 13

الناخيون والحياة السياسية الجورجية

 

          بعد انتهاء غزو الخلفاء العرب لمنطقة كارتيلي (إيبيريا) في الفترة ما بين القرنين السابع والثامن شكّلوا على جزء من أراضيها "إمارة تِفليسْ"، وعينوا على رأسها أحد القادة من الإدارة العربية. وتكاثر السكان المسلمون هنا. وبدأت ملاحقة غير المسلمين. لذا ظهرت في مختلف مناطق جورجيا مجموعات أبدت السخط وعدم الرِّضى. وفي أواسط القرن الثامن خرج من طاعة وخضوع العرب الشعب الناخي الجبلي، والذي يُسَمَّى في المراجع العربية "السَّناريّون" أو "الصّنار- المترجم". أما نائب الخليفة فلم يستطع التغلب بقواته الخاصة على السّناريين، مما اضطره إلى طلب العون من جيش دولة الخلافة. واستطاعت هذه الدولة قهر السناريين فقط بعد عدة معارك عنيفة.

          وفي القرن الثامن وبداية القرن التاسع تهشّمت جورجيا إلى جملة أملاك وحيازات فقدت وحدتها السياسية والثقافية. وفي المناطق الشمالية من كاخيتيا، وتحديداً تلك التي كان يقطنها في الغالب السّناريّون، برزت دولة واحدة، منفصِلة، تحمل نفس الإسم. وقد سبق وكانت الديانة المسيحية قد رسخت في هذه المنطقة منذ القرن السادس.

          وفي أواسط القرن التاسع أصبح السناريون مرة أخرى أصحاب المبادرة ضد دولة الخلافة العربية في جورجيا، زد على ذلك أن أمير تفليس نفسه انقلب على الخلفاء وأصبح حليف السناريين. وبمساعدة السَّناريين قام أمير تفليس بتحطيم البعثات العسكرية العربية. ومع كل ذلك استطاع نواب الخلافة العربية استعادة مواقعهم السابقة في جورجيا. غير أن هذا كان آخر ما حققه الخلفاء العرب في القوقاز. ومنذ أواسط القرن التاسع أخذ الخلفاء العرب بالتقهقر والتفكك.

          وهكذا قام وايناخ- السَّناريون بمساهمة فعّالة في إقامة دولة الكاخِيتيّين على الأراضي الجورجية، وفي الذَود عن استقلالها في الصراع مع دولة الخلافة العربية.

          وما بين القرنين التاسع والعاشر، وفي صراع حاد، تنازع اتحاد القوى السياسية الجورجية الكبيرة- الإمبراطورية والإمارات- من أجل الاستيلاء على مقاليد الحكم في جورجيا الموحدة كلها.

          وفي هذا الصراع استخدمت بعض الحكومات الجورجية الإقطاعية عوامل "الألان" و "الجبليين" بشيء من الفعالية. نعيد إلى الأذهان بأن دعوة الناخيين إلى اعتناق المسيحية بدأت منذ القرن السادس للميلاد، وبالتحديد أولئك الذين سكنوا في السفوح الجبلية الجنوبية لجبال القوقاز، وحصل ذلك عن طريق الكنيسة الجورجية.

          إن مشاركة الناخيين في الحياة السياسية لجورجيا في الفترة الواقعة ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر وجدت انعكاساتها في مدوِّنات الجورجيين التاريخية. ويبدو بأن الجبليين انجذبوا نحو التدابير الحربية للقياصرة الجورجيين على مراحل: فالقياصرة دفعوا لهم الرواتب، وقدموا لهم هدايا ثمينة، ومنحوهم جزءاً من المغانم الحربية.

          في تلك الفترة أقام الجزء الأكبر من السكان الناخيين (من السفوح الجبلية ومن المناطق السهلية) علاقاته مع جورجيا بشكل رئيس ضمن سياق روابط "جورجيا- الألان". ومع تعزّز علاقات مملكة جورجيا مع ألن شمال القوقاز، والذين كانوا بدورهم كوّنوا دولتهم أيضاً، حلّت مرحلة وحدة مطوّلة بينهم. وغالباً ما كان يتوطّد اتحاد الألن والجورجيين بحكم الزواج والنسب.

          وفي عام 1185م، حضر ابن الأمير الروسي أندريه بوغوليوبسكي- يوري من مدينة مَغَاسْ الألانية، الواقعة على نهر السونجا في بلاد الشيشان- إنجوش. ويوري هذا كان قد التجأ إلى الشيشان بعد مقتل أبيه. وقام أشراف جورجيا بتزويجه ملكة جورجيا تمارا. وتمارا هذه ألانية من الأم. غير أن هذا القران لم يدم طويلاً. بعد أربع سنوات عُقد قران تمارا على ابن ملك جورجيا دافيد صَصْلان، والذي تربّى في بلاط ملكي جورجي. وخلال فترة حكم الملك دافيد والملكة تمارا، وصَلَت عظمة مملكة جورجيا ذروتها.

دولة أَلَن (ألان) في المرحلة الإقطاعية المبكرة

(القرن 10- 13)

         

فيما احتبك مصير المجتمعات الناخية القاطنة في المناطق الجنوبية لسلسلة جبال القوقاز الكبرى في فترة بداية العصور الوسطى وأواسطها بهذا القدر أو ذاك مع مصير الإقطاعية الجورجية، ثم مع مصير النظام الملكي الجورجي الموحَّد، إلا أن المجتمعات الناخية الأخرى القاطنة على السفوح الجبلية والمناطق السهلية في شمال القوقاز كانت تشكل وحدة واحدة مع ألان القوقاز الشمالي. ودولة ألان كانت تتألف من القبائل القوقازية الجذرية (وبشكل رئيس من الناخيين)، ومن ألان شمال القوقاز بشكل خاص (الحَضَر وشبه الحَضَر، وليس الرّحّل)، ومن بعض المجموعات التركية، ومن ضمنها ذات الأصل الخَزَري.

          إن تاريخ ألان شمال القوقاز في الفترة ما بين القرنين العاشر والثالث عشر يتّصِف بتكافل ألاني- جبلي من نوع خاص، مستثنى منه النير القومي والسياسي لا سيما وأن الألان والجبليين كان لهم عدوّ مشترك وحلفاء مشتركين في آن واحد.

          إن قيام دولة ألان حصل نتيجة صراع جهيد، وقبل كل شيء مع أمراء الخَزَر. ودولة الخزر كانت من أكبر دول أوروبا الشرقية. وامتدت فترة تبعية الألان الإقطاعية لدولة الخزر حوالي مئتي عام، حتى القرن العاشر- الحادي عشر. ومما كان له الأثر الملحوظ على هذا الصراع، هما الإمبراطورية البيزنطية ودولة كييف الناشئة.

          عام 965 م اهتزّت دولة الخَزَر (خَزَارْيَا) عندما شَنّت ضدّها دولة كييف حملتها الصاعقة بقيادة الأمير سْفياتِيسْلافْ. وهو نفسه الذي بعد أن دمّر مدن الخزر مَرَّ خلال شمال القوقاز هازِماً الألان. وفيما بعد تم تسوية العلاقات بين الألان وما بين دولة كييف. وتمثّل التعاون ما بين الدولتين في هجومهما المشترك على إمارة شِيروان، التي كانت قد تشكّلت في شرق القوقاز. وكان ذلك في الثلث الأول من القرن الحادي عشر. وفي نفس الفترة كانت قد تشكّلت في شبه جزيرة تَمانْسْكْ، قرب كوبان إمارة تْمُوتَرَاكانْسْكْ الروسية. وشهدت العلاقة بين أمراء الروس وما بين حكام الألان روابط نسب وأحكام إرث.

          وفي القرن العاشر، كما جاء في كتب اليونان، فإن "مملكة ألان" أصبحت "أقوى وأشدّ رُسُوخاً من بين كل الشعوب"، لذا أنشأت معها الإمبراطورية البيزنطية علاقات تعاون. وفي هذه الفترة انتشرت في بلاد الألان الديانة المسيحية. وتوطّدت الكنيسة ما بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر. وكما هو الحال في كييف، نشأ في هذه البلاد منصب "مطران". ومطران الألان كغيره من رجال الدين العاديين تم تعيينه من ممثلي الكنسية البيزنطية. ومما يجدر ذكره بأن المقدسات وأماكن العبادة وغيرها من المنشآت الدينية في شمال القوقاز قام بتشييدها اليونان.

          إلا أنه من الواضح أن نَصْرَنة الألان حصلت بشكل سطحي، فالألان وخصوصاً الشرقيين منهم بقوا يمارسون معتقداتهم الوثنية. وفي نهاية القرن الثاني عشر وبداية الثالث عشر بدأت عملية تفكك التنظيم الكنائسي عند الألان، وإدخال نظام اللامركزية، ودخلت البلاد ضمن شريط نزاع إقطاعي داخلي.

          في تلك الفترة تحركت نحو سهوب القوقاز الأمامي جحافل جديدة من القبائل الرّحّل (البيتشينج والبولوفتسيون)، والذين لعبوا دوراً معيّناً في العملية الإتنية السياسية في المنطقة. ووقعت بين هؤلاء والألان معاركة ضارية من أجل السيطرة والسيادة على شمال القوقاز، وعلى المراعي الشتوية في منطقة السهوب.

          لقد حققت دولة الألان ما بين القرنين العاشر والثالث عشر نجاحات محدّدة في التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي قريبة جدا في شكلها من جماعة موحّدة تحت ظروف دولة بدائية إقطاعية. وجنبا إلى جنب مع الألان شقت قبائل الناخ في شمال القوقاز هذا الطريق.

          وتأتي جحافل التتار والمغول لتضع نهاية لوجود الألان، دافعة شعوب شمال القوقاز الجبلية لقرون عديدة إلى الوراء.

حروب جنكيز وآثارها على شمال القوقاز

حملة المغول على القوقاز وأوروبا الشرقية

         

في نهاية القرن الثاني عشر أصاب الوحدة النسبية لدولة الألان، والتي حصلت عليها في الفترة ما بين القرنين العاشر والحادي عشر بجهود بعض حكامها المشاهير فعليا الضياع والفقدان. أشارت مراجع من القرن الثالث عشر إلى أن الألان تكوّنوا من "عدة شعوب"، وبأنه كانت هناك "أماكن عديدة لعدة أُمراء"، وبأن تفككا  سياسياً لدولة متّحدة مهلهلة قادها نحو تنازع داخلي إقطاعي واجتماعي، إضافة إلى ضعف العلاقات بين مختلف فئات الشعب.

          عام 1206م، في آسيا الوسطى البعيدة، في براري منغوليا، انتَخَب مؤتمر إقطاعيّي البراري خاناً على الخانات، هو جنكيز خان، القائد العسكري والسياسي المشهور، موحّد المغول.

وبعد أن تمكّن من تحقيق توحيد بلاده وتعزيز شأنها، جهّز ألوفاً مؤلّفة من قطعانه المحارِبة لغزو البلاد القريبة والبعيدة، من المحيط الهادئ وحتى البحر المتوسط والبلطيق. وبدءاً من عام 1211م وجحافل جنكيز خان تقوم بإخضاع بعض شعوب سيبيريا، شمال غرب الصين، تركستان الشرقية، آسيا الوسطى، أفغانستان، إيران الشرقية وغيرها من البلاد تباعا. وفي غضون عامي 1221- 1222م، أخضع المغول شمال إيران، ثم بدأوا باحتلال الإمارات الإسلامية في ما وراء القوقاز الشرقي، ثم ممتلكات كل من أرمينيا وجورجيا.

          عام 1222م، تقدمت جحافل المغول نحو أسوار مدينة دربند (الداغستان حاليا) من أجل الوصول إلى شمال القوقاز وسهول أوروبا الشرقية عن طريق بحر قزوين. وتوغّلوا في جبال الداغستان والشيشان. نشر المغول الرعب والخوف بين سكان الشعوب الأصلية، وقاموا بالمذابح والسرقات والتخريب. والدفاع المستميت لجبليي الداغستان والشيشان هو الذي مكّن سكان المناطق السهلية في شمال القوقاز، والذين يسمَّون في المراجع التاريخية "الألان" المقاومة والصمود بنجاح. علاوة على ذلك تم عقد معاهدة حربية مع بولوفتسيّي القوقاز الأمامي للتصدي للمغول. غير أن جيش الألان والبولوفتسيين الموحّد تم هزيمته من قبل المغول. وتابع المغول تقدّمهم إلى منابع نهر الدون ونهر كالْكا، حيث جابهوا الجيش الروسي، والذي تكبّد هزيمة ماحقة. وهكذا كان الألان وجبليو الداغستان والشيشان والبولوفتسيون والروس أول الشعوب الأوروبية التي اشتبكت في معارك ضارية مع المغول.

          استمرّت الأنشطة الحربية الواسعة في شمال القوقاز حتى عام 1240م. وتميَّزت هذه الحروب عن غيرها بضراوتها وقسوتها، أدّت إلى موت أعداد لا تُحصى من السكان، وتدمير القرى والمدن. وهكذا استطاع المغول السيطرة على روسيا والقوقاز الأمامي والمناطق السهلية من شمال القوقاز. ويرتبط تاريخ المغول بالرعب العام والإرهاب بالجملة، وبالسلب والنهب للشعوب التي وقعت تحت نيرها.

          إن الهزيمة العسكرية السياسية التي لحقت بدول ما وراء القوقاز، والألان، وروسيا غيرت الخارطة السياسية بشكل ملحوظ. فقد ظهرت على خارطة العالم دولة عظمى جديدة، هي دولة الأورطة الذهبية (دولة الأقوام الرحل الذهبية)، والتي شملت أوروبا الشرقية، وشمال القوقاز، ومنطقة بوفولوجيه، والأورال، وكازاخستان.

الحالة السياسية والإتنية في شمال القوقاز وما حول الشيشان

في القرن الخامس عشر

 

          إن أهم ما كان يميز الوضع الإتني- السياسي في المنطقة في القرن الخامس عشر، هو تفكك دولة الأورطة الذهبية؛ ظهور ممتلكات إقطاعية ضخمة في الداغستان؛ تفكك جورجيا إلى إمارات وممالك منفصلة؛ انسحاب الإمبراطورية العثمانية نحو التخوم الغربية لشمال القوقاز؛ ما يسمّى بـ "الغزوات الإسلامية" في شمال القوقاز المنبعثة من شرق ما وراء القوقاز. ويلاحظ في هذه الفترة تقلص الحدود الإتنية الناخيّة بشكل ملموس، نتيجة الحروب الكثيرة، وسحق السكان وإبادتهم. وفي القرن الخامس عشر كان قد بقي ثلاث مناطق ناخيّة فحسب، هي: شيشانيا، وإنجوشيا، وتوشيتيا.

          إن الحالة السياسية في منطقة البراري والسهوب المحاذية للقوقاز الأمامي َضيّقت إمكانية ممارسة تربية الماشية. لذا قام جبليو الشيشان بسَوق قطعانهم إلى المراعي الصيفية في مناطق أبعد نحو الجنوب الشرقي لسلسلة (هضبة) جبال القوقاز الكبرى، وبشكل خاص في أفاريا والقوميق وجورجيا. وساعد استخدام المراعي التابعة لإقطاعيي الداغستان والأمراء الجورجيين من قبل المجتمعات الجبلية الشيشانية على نشوء علاقات سياسية، وظهور أساليب اتفاق وشروط التعامل في استخدام الأراضي كالدفع مقابل الرعي بالمال أو الحيوان أو الحبوب، مما أدّى بدوره إلى انتشار اتفاقيات ومواثيق محددة في العلاقات. ففي جورجيا تم إعفاء الجبليين الناخيين من دفع العائدات الجمركية والتبادل التجاري، واستطاعوا المرور بحرية، وممارسة الأعمال التجارية المختلفة. وكان الحكام الجورجيون يُبدون اهتمامات في القوة الحربية للجبليين. فسياستهم التشجيعية هذه استهدَفَت استقطاب الناخيين للدفاع عن الأراضي الجورجية.

أما فيما يخص التغلغل الديني في المنطقة، فقد شن الجبليون في القرن الخامس عشر حروباً ضد الغزوات التي كان يشنّها أنصار الحركات الشيعية. حيث انتشر تأثير الشيخ سيف الدين في منطقة أذربيجان وإيران والعراق وآسيا الصغرى. وفي نهاية القرن الخامس عشر قام القوقازيون والأذريون متّحدين بصد هجمات عديدة لإخضاع شمال القوقاز من قبل الدُّخلاء.

وعلاقات شعوب شمال القوقاز مع جيرانهم من الأورطة الذهبية من جهة الشمال فبقيت علاقات صعبة، يشوبها الحذر والانتهاكات من حين إلى آخر.

إن الأزمة السياسية والاقتصادية لدى الأورطة الذهبية قادت إلى انحلالها وتفكّكها إلى عدة خانات، تنافست فيما بينها على السُّلطة. تلك الظروف أدّت إلى حروب مستمرة لا نهاية لها، انعكست بشكل قاتل ليس على وضع المغول والتتار فحسب، بل وعلى سكان المناطق والبلاد المجاورة لهم، ومن ضمنها شمال القوقاز.

وفي أواخر القرن الخامس عشر ارتفع صيت الدولة العثمانية، والتي دخلت بعيد انتصاراتها في مصر وفي كل الشرق الأوسط في منافسة مع الدولة الإيرانية، للاستيلاء على منطقة القوقاز. وكل منها طَمَحَت إلى الاحتلال ونشر مذاهبها الدينية. ومنذ ذلك الوقت أخذ مصير الشعب الشيشاني والقوقاز كله السياسي تُهَدّده المنافسة الشديدة بين الإيرانيين وما بين العثمانيين.

انتشار الإسلام في شمال القوقاز

 

في بداية العصور الوسطى استمرّ الناخيون في اعتناق المعتقدات الوثنية وفي الإيمان بعدد من الآلهة. إضافة إلى ذلك بدأت تنتشر بين الأوساط الشيشانية في تلك الفترة (القرن الرابع والخامس) التعاليم المسيحية. وأولى خطوات الإسلام إلى القوقاز تعود إلى القرنين السابع و الثامن، والتي ارتبطت بالاحتلال العربي للمناطق. إن عملية تقبل الإسلام على أراضي القوقاز الشمالي- الشرقي (الداغستان والشيشان) تأخرت تقريباً لفترة 900 سنة. ولم ينشر الفاتحون العرب معتقداتهم الدينية عن طريق السيف فحسب، ولكن أيضا عن طريق المبشرين الكثر، الذين كانوا يتجمعون في المدن الحدودية لدولة الخلافة العربية، وبالخصوص في مدينة دِربِنْدْ (باب الأبواب في الداغستان- المترجم). ومن جهة أخرى كان المخفر الأمامي للإسلام في القوقاز مدينة تفليس (وتسمّى اليوم تْبِليسي وهي عاصمة جورجيا- المترجم)، والتي كانت بمثابة أحد إمارات الدولة العثمانية، تحيط بها في الحقيقة أراضي جورجية تسكنها شعوب اعتنقت الديانة المسيحية.

وما بين القرنين (10-12) دخل الإسلام في منطقة السهوب الجنوبية لأوروبا الشرقية، منتشراً بين الخَزَر وبولغار بوفولوجيه والبولوفتسيين في مدن القوقاز الشمالي. وفي هذه المنطقة تصادم الإسلام مع اليهودية التي كان يدين بها الخَزَر، وكذلك الأمر مع المسيحية التي اعتنقها الألان. وقد لعب التجار العرب دوراً كبيراً في نشر الإسلام في هذه المناطق، وكذلك الوعاظ والمبشرين، إضافة إلى السمعة والنفوذ التي تمتعت بها دولة الخلافة العربية الجبارة آنذاك، والتي غدت منذ ما بين القرنين (8- 10) مركزاً من مراكز الحضارة العالمية. إن الطوابير التجارية الإسلامية في أوروبا الشرقية، وفي مدن الخزر والألان كانت قبل اجتياحات المغول كثيرة جداً. ويمكن التأكد من ذلك عند مشاهدة المساجد المنتشرة في مناطق عديدة.

لقد ثبت الإسلام في بعض مناطق الداغستان، المحيطة بدِرْبِند. إلا أن جبليّ القوقاز الكبير ومن ضمنهم الشعب الناخيّ (الشيشان والإنجوش والباتسبي- المترجم) انقسموا إلى من كان يدين بالمسيحية والأكثرية الوثنية. وفي أوائل العصور الوسطى لم يكن الإسلام قد تغلغل بعد بشكل مؤثر بين الشعوب الناخية. بيد أن الإسلام، خلافاً للمسيحية، انتشر بوتيرة تصاعدية أكثر في شمال القوقاز في الوقت الذي ضعف فيه موقف الديانة المسيحية.

البناء الاجتماعي- السياسي والمعيشي الشيشاني

ما بين القرنين (16- 18)

 

         ضمّت بلاد الشيشانيين في الفترة الواقعة ما بين القرنين (16- 18) الأراضي التي شغلها الناخيون، وهي المساحة الواقعة بين قمم جبال (هضبة) القوقاز الكبرى جنوباً؛ ومع سير نهر الترك في وسطه إلى الشمال؛ وكذلك حوض نهر الترك عند منابعه في الغرب؛ وحوض نهري أكساي وأكتاش في الشرق.

         في النصف الأول من القرن الثامن عشر، وبِحُكْم عوامل جغرافية وتاريخية معينة، انشطر من الغالبية العظمى للناخيين، والذين أُطلق عليهم في الأدب والتاريخ اسم "الشيشان" مجتمع كبير، وهو الذي نسميه "الإنجوشت" (الإنجوش أو الغلغاي- المترجم) متجهاً نحو الغرب. وهذا المجتمع أصبح فيما بعد نواة الشعب الإنجوشي.

         أما الشعب الشيشان برمته فقد تشكل من ما يزيد عن عشر مجتمعات إقليمية ضخمة "مجتمعات حرة".

         ما بين القرنين (16- 18) تشكلت في المناطق السهلية وفي سفوح جبال الشيشان مجتمعات كبيرة لها ممتلكات إقطاعية، لعبت دوراً قيادياً في عملية التكوينات الإثنية التالية: أكوتسك، جيخي، تشيتشين (نوختشي) وغيرها.. إن أهم عمل كان يقوم به الشيشان في هذه الفترة هو الزراعة وتربية الماشية والحرف اليدوية المختلفة. كما قام الشيشان بتجارة المقايضة أو التبادل التجاري مع جيرانهم في المنطقة ومع الجورجيين وبلاد الشرق وروسيا.

         وفي القرن الثامن عشر احتلّت تجارة الشيشان مع روسيا الدرجة الأولى. فقد قام التجار الروس بإحضار الأقمشة القطنية والمخملية والديباج والأواني والمقصات وإبر الخياطة والسكر والملح والحديد. كما قام القياصرة بإرسال بضائع روسية عل شكل هدايا للإقطاعيين الشيشان المحليين. أما الشيشان فقد حملوا بدورهم إلى ألأسواق الروسية وقيزليار وقرى القوزاق الكبيرة بضائعهم وسلعهم الاستهلاكية. وكان لتجار الشيشان مع قوزاق الترك- غْرِيبِين أهمية خاصة، والتي نشطت على أساس العدالة والمساواة وبدون ضرائب أورسوم أو أي معوقات أخرى، رغم كل العراقيل التي كانت تضعها الحكومة القيصرية.

         يلاحظ في هذه المرحلة الدور الكبير الذي لعبه الإكليروس (رجال الدين- المترجم) الإسلامي في الحياة الاجتماعية- السياسية للشعوب القاطنة على الأراضي الشيشانية. وكانت قرى الشيشان في القرن الثامن عشر تُدار من قبل الشيوخ يشاركهم المُلاّت (كبار رجال الدين الإسلامي- المترجم) والقضاة الشرعيون. وكان هؤلاء المُلاّت والقضاة هم أنفسهم الذين يحكمون بين الناس على طريقة الشريعة الإسلامية، كما شاركوا في الاجتماعات والمجالس الزراعية المختلفة، حيث تمتعوا باحترام كبير للغاية.

         إن المجتمع الزراعي الشيشاني في الفترة الواقعة ما بين القرنين (16- 17) اتصف بطابع التوحد الإقليمي، وأيضاً بطابع اتحادات "قرابة"- جار (الجيم تلفظ مصرية، وتسمى البطن عند العرب- المترجم)  أو تايب (وهي العشيرة باللغة الشيشانية- المترجم)، واعتَبَرَ أعضاؤها أنفسَهم من جَدٍّ واحد. ودخلت القرى الجبلية في اتحادات إقليمية أوسع سُمِّيَت بمجتمعات "حُرَّة". وفي الاجتماعات التي كانت تعقدها هذه المجتمعات "الحرة" كانت تُحَل جميع المسائل المرتبطة بالعلاقات مع الشعوب والبلدان المجاورة، من ضمنها إعلان الحرب وعقد معاهدات سلام. والعائلات الكبيرة، وكذلك الأكثر مالاً، وأيضاً العشائر القوية اقتصادياً كان رأيها كقاعدة عامة هو الأقوى.

         وفي نفس الفترة المذكورة سابقاً قويت في المجتمع السياسي- الاجتماعي الشيشاني تلك المؤسسات المتميزة للعصر الإقطاعي. وقد حصل الأمراء والبشوات من القرى التي كانت تحت سيطرتهم على الأتاوى وعلى جزء من الغنائم التي تم الاستيلاء عليها من التنازع الداخلي (الإقطاعي)، وكذلك على عوائد ضريبة المرور من خلال الأراضي التابعة لهذا أو ذاك من الملاكين. وكانت أعمال الحراثة وتهيئة أراضي هؤلاء واستغلالها في الإنتاج تتم عن طريق الأقتان (العبيد) أو الرقيق. وكان الرقيق من الأسرى، الذين أُسِروا خلال الغزوات، أو الذين تم شراؤهم في سوق العبيد.

         كان السكان الزراعيون الشيشان الأحرار من الناحية القانونية أو الحقوقية مستقلين وكاملي الحقوق، ولكنهم لم يكونوا متجانسين من حيث العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. والجزء الريفي الفقير تماماً من المواطنين استأجر الأرض. أما المعدَمون فأخذوا يعملون في حرف وصناعات وفي أعمال أخرى موسمية. وفي كل صيف كان مئات الشيشان يغادرون موطنهم للعمل في مناطق أخرى مثل مدينة قيزليار.

         وما بين القرنين (16- 18) نمت طبقة اجتماعية جديدة من الزعماء- رجال الدين (الأكليروس). وفي نهاية القرن الثامن عشر أخذ دور هذه الطبقة يزداد بشكل ملحوظ، نتيجة تعقد الحياة الاجتماعية، وارتفاع شأن الأشخاص المتعلمين، وأيضاً بسبب الوضع المادي والاقتصادي الجيد الذي كسبه رجال الدين. وحصل المُلاّت والقضاة الشرعيون على عُشر الوارِدات، وعلى جزء لا بأس به من غنائم الحرب، كما وحصلوا على موارد لتدريس أبنائهم، وعلى هبات وهدايا مختلفة. علماً بأن المساجد كان في حوزتها قطع أراضي واسعة ومواشي.

 

إقرار الإسلام في الشيشان

(ما بين القرنين 16- 18)

 

         ظهرت الآثار الأولى للإسلام في بلاد الشيشان في القرن السابع الميلادي. وقد دخل الإسلام الشيشان بعد الداغستان. وتشير بعض المراجع إلى أن جزء من منطقة الشيشان، وخصوصاً تلك المحاذية للداغستان أسلم في القرن الخامس عشر. علما بأنه في هذا القرن لم يكن الإسلام قوياً في الجزء الأكبر من البلاد. وخير دليل على ذلك، هي الغزوات التي شهدتها بلاد الشيشان، والتي كان يقوم بها دعاة الدين من شرق ما وراء القوقاز.

         وفي القرن السادس عشر، وحسب المعطيات الأثرية الموثقة، تم إقرار الإسلام في المناطق الشرقية من الشيشان. ومجتمع أوكوتسكي آنذاك (ومركزهم بلدة أؤخ) كان مسلماً، ويحلف على القرآن. ومنذ ذلك الحين ظهرت شواهد القبور في المنطقة وقد نُقِشت عليها كتابات باللغة العربية.

         وفيما بعد تم انتشار الإسلام على مراحل مرتبطة بخصوصيات المناطق المختلفة- التاريخية والثقافية والجغرافية. وهكذا نستطيع القول بأن القرن السادس عشر شهد نشر الإسلام في الأجزاء السهلية (الشرقية) من الإقليم. وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر دخل الإسلام في المناطق الجبلية من البلاد.

         أم نشر الإسلام فقد كان عن طريق نشاط وعمل المبشرين والوعاظ من المراكز الإسلامية المجاورة للشيشان، إضافة إلى جهود ومساعي كبار الإقطاعيين. والأمير الذي قام بدوره نشر الإسلام بين هذا أو ذاك من المجتمعات أو في قرية جبلية، أصبح شخصيتها الموقّرة والمُكَرَّمة. وتقول بعض المراجع بأن القرى الجبلية التي رفضت الإسلام فُرِض عليها الخراج (الجِزية)، أضافة إلى تعرضها لـ "غزوات المسلمين".

         وخلال القرنين (16- 17) حفظت في المناطق الجبلية العالية لدى بعض المجتمعات الشعائر الوثنية التقليدية، إضافة إلى تواجد عناصر تدين بالمسيحية، التي أدخلتها الكنيسة الجورجية منذ بداية القرون الوسطى. واستمر الحال على هذا النحو حتى القرن الثامن عشر.

         واعتباراً من القرن الثامن عشر احتلّت الديانة الإسلامية في الشيشان المرتبة الأولى في وعي المجتمع. أما رجال الدين فقد أدرجوا أنفسهم بثبات في البنيان الاجتماعي، وحصروا بأيديهم سلطة المجتمع بأسرها، مُبعِدين الشيوخ من كبار السن زَحْماً عنها. وقد استلَم المُلاّت والقضاة الشرعيون أدواراً مهمة في الإدارة الأهلية، والمرافعات القضائية. ولكن قواعد الشريعة الإسلامية (القانون الإسلامي) لم تكن مسيطرة بعد بشكل تام في المجتمع الشيشاني. فبعض المسائل كانت تُحلُّ حسب ما كانت تمليه العادات والتقاليد (قانون الجبليين العادي). إلا أن القرار النهائي في حل المسائل الجدلية أو المتنازع عليها كان يعود إلى المُلاّت، وليس إلى العلماء المتضلعين بالعادات الشيشانية.

         كما شارك رجال الدين بنشاط في الحياة السياسية في المجتمع، وبالخصوص في السياسة الخارجية. ولم يكن الحُجّاج والمُولاّت والقضاة الشرعيون واضعي وناقلي رسالات فحسب، ولكنهم كانوا وفي أحيان كثيرة يقودون المفاوضات والمباحثات، أو أنهم شاركوا فيها بنشاط.

         وفي نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر احتلّ رجال الدين (الإكليروس) مواقع راسخة في قيادة كامل الحياة الاجتماعية والسياسية للمجتمع الشيشاني.

الوضع السياسي في بلاد الشيشان في الفترة ما بين القرنين (16- 18)

صراع ثلاث إمبراطوريات على القوقاز

إقامة العلاقات الشيشانية الروسية

          عند نهاية العصور الوسطى أصبحت منطقة القوقاز موضوع تأثير ونفوذ ثلاث إمبراطوريات في آن واحد. علما بأن اثنتان منها مَثَّلَتا عالَم الشرق- الإسلام، وهما العثمانيين وإيران. والثالثة- روسيا القيصرية أو الحضارة الروسية الخاصة، المتشكّلة كفرع من الفروع الطرفية للحضارتين الأوروبية والآسيوية.

          وفي أواسط القرن السادس عشر،عهد القيصر إيفان غروزني (الرهيب- المترجم)، كانت القيصرية الروسية القلقة بشأن خطر الإمبراطورية العثمانية- القرم (تتار القرم- المترجم) المحدق على الرحاب الجنوبية لها، قد أرسلت مفارزها العسكرية إلى منطقة بحر قزوين ونهر الترك. وفي عام 1567م، قام الروس القياصرة بإنشاء حصن عند لسان نهر الترك حيث يصب فيه نهر السونجا، سُمّي بحصن "تِركي". إلا أنه وبعد عدة مجابهات عسكرية مع الجيش العثماني، أضطر الروس معها إلى إزالة الحصن من موقعه. وفي عام 1588م أنشأ الروس حصن آخر جديد عند دلتا التِّرِك مع أحد فروعه. وهذا كان ممكناً بفضل اتحاد مجموعة من أُمراء الشيشان مع قادة الجيش الروسي ضد إيران والعثمانيين. وفي نفس هذا العام قَدِم إلى عاصمة روسيا، إلى بلاط القيصر فيدور إيفانوفيتش أول وفد لسفارة شيشانية، أرسله شيخمورزا أكوتسكي. وأجريت مباحثات بين الطرفين كانت نتيجتها إقامة علاقات رسمية وموثقة بين قيصر روسيا وما بين شيخمورزا أكوتسكي كعلاقات تبعية وموالاة. وأعلمت الحكومة الروسية القيصرية الدول الأجنبية عن دخول الأوكوك (وفيما بعد أراضي ناخية أخرى) في "التبعية الروسية".

          في عام 1594م، حاولت الجيوش القيصرية إخضاع الداغستان عن طريق ضَم بعض الأمراء الجبليين إليها. ولكنها هُزِمَت من قبل جيش مؤلف من ممثلي شعوب الداغستان والشيشان والقبرطاي. والأحداث التي جرت في الداغستان تركت آثاراً محزنة على وضع أنصار موسكو في الشيشان: قُتل شيخمورزا، وتَفتَّتَت ممتلكات الأوكتسيين ودُمّرَت، وهرب منهم حوالي 160 شخصاً إلى مدينة تيرسكي. وتم قبول جزء من الفارين في الخدمة لدى روسيا.

          وفي بداية القرن السابع عشر اتخذ بعض سكان المناطق الجنوبية الشرقية للشيشان تدابير حربية ضد الحصون القيصرية على نهر الترك. أما مواقف المجتمعات الشيشانية الأخرى وبشكل رئيس في المناطق الشرقية والوسطى كانت على ما يبدو مُرضِية ومناسبة لِروسيا.

          وتعتبر الأعوام (1605- 1614) فترة حرجة في مناطق روسيا: ضعفت العلاقات الروسية القوقازية، وكذلك الروابط بين المستعمرات وما بين المستوطنات الروسية على نهر التِّرِك.

          تأزّم الوضع السياسي في منطقة شمال القوقاز من جديد، بسبب الأطماع العدوانية للشاه الإيراني. وقام العثمانيون وأهل القرم (التتار) وروسيا في وقت واحد بمجابهة إيران. وهكذا وفي عام 1635م أُقيم على الحدود الشمالية- الشرقية للشيشان سجن سونجا (بين غودرمس الحالية وبراغون). وفي عام 1639م، تم تقسيم مناطق نفوذ الإيرانيين والعثمانيين في منطقة القوقاز، وذلك حسب الاتفاق الإيراني- العثماني السلمي. وبهذا انتهى مسلسل الحرب الإيراني- العثماني، والذي استمر ما يزيد عن المائة عام. وفي هذا الوقت تعزَّزت في منطقة شمال القوقاز مواقف جميع الدول العظمى. وكان لكل منها هنا أنصارها ومُواليها.

          وفي أوائل خمسينيات القرن السابع عشر أصبح الوضع السياسي في منطقة شمال القوقاز وفي الشيشان صعباً للغاية بسبب النزاع الروسي- الإيراني، والذي قام خلاله الطرفان المتنازعان بجذب كثير من المجتمعات الجبلية كل إلى جانبه. وأهم العمليات الحربية حدثت في منطقة السونجا والتِرِك، وهي الحدود الحالية للشيشان. وقامت الحكومة القيصرية بإنشاء مدن قوزاقية على ضفاف نهري السونجا والتِّرِك، حتى تستطيع من خلالها مراقبة الطرق التجارية والنقل والعبور، والتي من خلالها مارست أنشطتها التجارية والسياسية كل من إيران، والداغستان، والشيشان، مع القبرطاي وبلاد الشركس والقرم، ومع الحصون العثمانية على شواطئ البحر الأسود. وبهذا تم المساس بمصالح التجار الإيرانيين والجبليين بصورة جديّة. ونتيجة لذلك حصلت عدة معارك طاحنة بين الروس القياصرة وما بين القوات الإيرانية والجبلية المتوحدة. ودمِّرت تحصينات الروس. وتم تهدئة الأوضاع فقط بعد المحادثات الرسمية والتنازلات المتبادلة التي جرت بين الروس والإيرانيين.

          تجدر الإشارة هنا بأن النجاحات النسبية للشاه الإيراني وأنصاره في شمال القوقاز لم تغيّر الوضع السياسي في المنطقة لمصلحتهم بشكل جذريّ. فالتأثير الإيراني في الداغستان وفي جزء من الشيشان أعطى الإيرانيين دوراً نوعاً ما، إلا أن اتجاه السياسة الخارجية نحو روسيا بقي على حاله قوياً.

          وفي أواسط القرن السابع عشر أصبحت المجتمعات الشيشانية في أودية نهر أرغون تلعب دوراً ملحوظاً في الحياة السياسية لمنطقة شمال القوقاز. وكان لذلك علاقة بصراع ملك الكُورْج (الجورجيين) تايموراز مع إيران. وكان تايموراز قد قَرَّرَ عقد معاهدة مع موسكو والاعتراف بالتبعية لروسيا مقابل الدعم العسكري لجورجيا. ودخل وادي أرغون (في الشيشان- المترجم) كجزء أساسي ومهم في مخططات تايموراز السياسية والسفارة الروسية. لأن الوادي المذكور شكل ممراً مهماً جداً في وسط بلاد الشيشان. وقد قَدِم الملك تايموراز إلى موسكو عام 1657م من أجل طلب الدعم شخصياً في حربه ضد إيران. وهذا الدعم طلبه أيضاً ممثلي الشعب الناخي الجبلي في صيف عام 1658م، الذين بايعوا روسيا "بالتبعية" في حفل مراسم مهيب داخل كاتدرائية أوسْبينْسْكي في الكرملين. وفي نفس السنة وبوساطة تايموراز دخل حكام البلاد الشيشانية في منطقة أرغون أيضاً في علاقة صداقة وتعاون مع الدولة الروسية.

          وعلى أية حال، فخطة العمليات العسكرية المقترحة من قِبل تايموراز ضد إيران الشاه، الذي اقترح فيها إرسال الجيوش الروسية عبر الشيشان إلى ما وراء القوقاز لم تَلْقَ التأييد. فالحكومة الروسية لم تكن تشأ في تلك الفترة لعلاقاتها مع إيران أن تتفاقم.

الصراع مع توسعات روسيا القيصرية

 

          شهد القرن الثامن عشر استمرار المنافسة بين العثمانيين وروسيا وإيران لبسط النفوذ على منطقة القوقاز. إن اتفاقية السلام المبرمة بين روسيا والعثمانيين عام 1700م، خَلَقت إمكانات جديدة للتأثير على الأحداث في المنطقة. فالإمبراطورية العثمانية غير الراضية عن نتائج الحروب، حاوَلَت إثارة الشعوب الجبلية ضد روسيا القيصرية. وفي عام 1704م، عزم بعض الإقطاعيين الشيشان والقوميق على عقد اتفاق مع خان القرم تهدف إلى تدمير الحصون الروسية على ضفاف نهر التِّرِك. ومن جهة أخرى قام أمراء الشيشان الآخرون- بشوات براغونسكي الاعتراف من جديد "بحماية ورعاية" روسيا لهم (1706).

          لقد حاولت كل من الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية كسب تأييد شعوب شمال القوقاز، مانحة الهبات والهدايا الثمينة للأمراء المحليين. وقد حققت هذه السياسة للطرفين نجاحات مؤقتة حتى حلول عام 1718م، عندما ارتكبت الحكومة الروسية حماقة خلال إعادتها لحسابات خطيرة. فقد تم تنظيم حملة عقاب شرس ضد الشيشان، بسبب احتكاك حصل بين قوزاق الترك وما بين الجبليين. وعلى ما يبدو لم تكن لتلك الأحداث قيمة، ولا حتى إلى حاجة للتوثيق.

          إن إرسال عدة آلاف من قوزاق الدون إلى الشيشان خرَّب "مراكز التأثير الشيشانية". وهذا الهجوم حمّل روسيا وأنصارها مسؤولية النتائج العكسية في شمال القوقاز. فقد قام الأمراء الجبليون في الشيشان وشمال الداغستان بشن حرب ضد تحصينات الجيوش القيصرية على نهر الترك. والوضع السياسي في شمال القوقاز أصبح يتجه لصالح خانات القرم.

          بعد انتصار روسيا عام 1721م في أقاليمها الشمالية، وحصولها على مدخل إلى بحر البلطيق، بدأ القيصر بطرس الأول التجهيزات لإيجاد مخارج تؤدي إلى البحر الأسود وبحر قزوين. ومن ضمن خطة الحملة التي قادها بطرس الأكبر على "بلاد فارس" كان الاستحواذ على جزء من أراضي شمال القوقاز وما وراء القوقاز. وقليلا ما تذكر المراجع التاريخية أو لا تذكر شيئاً على الإطلاق عن الوضع في الشيشان خلال هذه الحقبة الزمنية. وما يُذكر فقط هو أن قوة موحدة من الوايناخ (الشيشان والإنجوش) والقوميق في منطقة "إينديري" الجبلية قامت بهجوم على جيش بطرس الأول مكبدة إياه خسائر فادحة. إلا أنه في نهاية المطاف قام الأمراء الإينديريون، متحملين الهزيمة، بتأدية يمين الطاعة للقيصر الروسي "شاملين بذلك ولأول مرة جماعتهم من الشيشان".

          في خريف عام 1722م أنشأ بطرس الأول على نهر سولاك حصناً يسمى "سْفيتوي كْرِيسْتْ" (علماً بأن مدينة تِيرْسْكْ تم إزالتها، ونقل جميع سكانها ومن ضمنهم الشيشان إلى الحصن الجديد)، وحضر القيصر نفسه إلى الأراضي التي تشكل اليوم بلاد الشيشان، حيث قام بتفقد السْتانِيتسا (القرية القوزاقية الكبيرة- المترجم) لقوزاق الغِرِيْبِيْن، وتعرّف على المياه الدافئة في براغونسك.

          وفي الفترة الواقعة ما بين 1723-1724م، حصل ترتيب لقوى جديدة على الساحة القوقازية. وتعزَّز هذا الترتيب باتفاق ملائم بين روسيا وما بين إيران. وتحدد بموجب هذا الاتفاق مجال نفوذ وتأثير هاتين القوتين العظميين.

          كان على أراضي الشيشان مجتمعات مستقلة كثيرة وعدد من الممتلكات الإقطاعية، برزت على أنها ذات سيادة في أنشطتها السياسية الخارجية. غير أن هذه السياسات لم تكن موحّدة. وهكذا أرسل بعض أمراء الشيشان إلى حصن "سفيتوي كريسْت" ممثليهم من أجل تأكيد رغبتهم بالرعاية الروسية لهم. وبذات الوقت قام غيرهم من الشيشان مثلهم مثل الشعوب الجبلية الأخرى بغارات مسلحة على نفس الحصن.

          وفي بداية الثلاثينيات من القرن الثامن عشر بدأت الحرب الإيرانية - العثمانية، والتي أثرت على الوضع الشيشاني أيضاً. وخان القرم كان في صف الإيرانيين، واستمال إلى جانبه الأمير الشيشاني أيدامير. والحكومة القيصرية حاولت ضرب خانات القرم المتوجهين إلى شمال القوقاز بتحريك جيوش الحصن ضدهم. وكان من ضمن الجيش القيصري المُرسَلون من قبل أمرائهم علي بك وعلي سلطان من عائلة كازبولات. وفي هذه المعركة هزم خيالةُ القرم الجيشَ الروسي. وبدأت محاولات لاستعباد وقهر شعوب شمال القوقاز من قبل خانات القرم. قام إثرها الشيشان وعلى رأسهم الأمير أيدامير نفسه، والذي كان قد وثق بخان القرم، قام بمبايعة الروس وانتقلوا إلى جانبهم. وخلال المعارك بين الشيشان وما بين تتار القرم تم القضاء على نحو 10 آلاف من الغزاة المحتلين. واضطر خان القرم بعد ذلك على التوقف عن محاولاته الهادفة لاحتلال الشيشان.

          في عام 1747م، ظهرت على الأراضي الشيشانية أملاك إقطاعية جديدة، وهو مجتمع غِيرْمينْتشُوكْ (غْريبينْتشُوكْ). قام مواطنوا هذا المجتمع، وكذلك سكان البلدة المسماة بنفس الاسم "غيرمينتشُوكْ" (أو جيرمينتشُوكْ، والجيم تلفظ بالمصرية- المترجم) بدعوة الضابط الروسي دولت- جيري تشيركاسْكي، نجل الجنرال في الجيش القيصري إيلْمورْزا، قائد مجموعة الجبليين الذين خدموا في الجيش الروسي في قيزليار. ومباشرة بعد ذلك قام سكان بلدة "تشيبوتْلي" أيضاً إبداء رغبتهم في "التبعية" لروسيا، وبالتحديد "بإدارة" الأمير دولت- جيري نفسه. ثم قام مجتمع ألْدي وسكان بلدة شالي (شيلَه) بتقديم الطاعة للروس ومبايعتهم. تفسر كل هذه الإجراءات في أكثر الأحوال رغبة الشيشان في الحصول على منفذ حر لبلوغ السوق التجارية الروسية، والتي اقتصر دخولها على أولئك الجبليين الذين اعتُبِروا من رعايا روسيا القيصرية، وحصلوا على "ختم" من أميرهم للسماح والتنقل الحر.

          إن النزاعات المسلحة في الفترة ما بين العامين 1757- 1758م، بدأت بسبب مصادقة القيصرة إليزافيتا الأولى على القيام بحملة عسكرية في الشيشان بهدف "إلقاء الرعب" في قلوب عامة الشعب، وإعادة سمعة ونفوذ ليس روسيا فحسب، ولكن أيضا سلطة الأمراء، التي أخذت تتهلهل. وهبّ لمساعدة الشيشان آلاف المقاتلين رافعين رايات وشعارات دينية من مناطق عانْدي واَوارْ وقوموق وغيرها من مناطق الداغستان المجاورة. وبدورهم ساهم رؤساء الطبقة الإقطاعية في أعمال الجيش القيصري لإخضاع الجبليين. وفقط في عام 1760م، تم معالجة وتسوية المسائل المتنازع عليها، وذلك عن طريق المحادثات وأخذ الضمانات من أصحاب النفوذ.

          وفي عام 1768م، أعلنت الإمبراطورية العثمانية الحرب على روسيا القيصرية. وقبل ذلك بفترة ظهر في شمال القوقاز رُسُل السلطان يحملون الهدايا السخية مقرونة بنداءات إلى الجبليين القوقاز تدعوهم لمحاربة "الكفرة". ومع بداية الحرب الروسية العثمانية (التركية) قام الإقطاعي علي سلطان كازبولاتوف بعدة غارات مسلحة على حصون الروس المنتشرة بمحاذاة نهر التِّرِكْ. وفي شهر شباط من عام 1770م، أُجبر علي سلطان وأنصاره بعد هزيمة مني بها في إحدى المعارك على إعادة علاقات السلام والجوار مع السلطات الروسية. وكذلك استجاب الأمراء الشيشان والبراغون، ومنهم رسلان بك أيداميروف وكُودْنِتْ بَماتوف لرغبات الحكومة القيصرية، ودخلوا ضمن الفيلق الروسي، والذي كان يعمل عند نهر كوبان لصد هجمات العثمانيين.

          عام 1774م حارب الشيشان وشعوب القوقاز الأخرى إلى جانب جيش القرم ضد الروس في القرية القوزاقية ناؤورْسْكْ. وكان قوام الجيش القوقازي ثلاثة آلاف مقاتل. ووقعت هذه الفصيلة في كمين وتم دحرها من قبل الجيش الروسي. إن وقوف الشيشان إلى جانب خان القرم كان بسبب استيائهم من ازدياد التحصينات الروسية الجديدة على طول نهر الترك، من بلدة تشيرْفْلْيونّوي وحتى مدينة موزدوك، والتي اعتبرها الشيشان تابعة لأراضيهم، ودافعوا عنها حتى نهاية القرن الثامن عشر.

          وبعد انتصارها على تركيا العثمانيين تابعت روسيا القيصرية إنشاء حصونها من مدينة موزدوك وحتى بحر آزوف. ونتيجة لهذا حصل اتحاد سياسي بين سكان القرى الشيشانية وما بين سكان القبرطاي، الذين عانوا نفس المشكلة. وفي خريف عام 1779م جرت معركة قرب نهر مالْكا تم خلالها تحطيم القوات شبه العسكرية الموحّدة الشيشانية- القبردية بنيران المدافع المتواصلة. وتم قتل العديد من المقاتلين والخيالين المشهورين، الأشداء، المحترفين. وهذه الهزيمة النكراء أثرت على معنويات الشيشان والقبرطاي.

          وفي السبعينيات والثمانينيات من القرن الثامن عشر ساعدت العلاقات التجارية مع المراكز التجارية الروسية في تعزيز الاتجاه السياسي الخارجي الموالي لِروسيا، وقامت القرى الشيشانية بتجديد مبايعتهم. وتم التوقيع على تعهدات والتزامات جديدة. وفي سنة 1783 تم التوقيع على معاهدة غيورغييف، تم بموجبها قبول جورجيا الشرقية ضمن الحماية الروسية. وتم الانتهاء من بناء الخط العسكري القوقازي. وكانت لهذه الأحداث أثارا بعيدة جداً بالنسبة لكل القوقازيين، ومن ضمنهم الشيشان. ونضجت فرص ومقدِّمات من أجل اتحاد بلاد الشيشان مع روسيا.

السكان الروس في حوض نهر التِّرِك في الفترة ما بين القرنين (16- 18)

(إنشاء منطقة قوزاق التِّرِكْ- الغْرِيْبِيْنْ)

 

          أثارت الأراضي التي تكون بلاد الشيشان منذ القِدَم، وفي القرون الوسطى انتباه واهتمام شعوب وقبائل كثيرة. وقد عاش ضمن حدودها الحالية، واحدة تلو الأخرى قبائل وشعوب السْكِيف والصرامطة والألان والمغول والقباردين.. ومنذ القرن السادس عشر الروس والنُّوْغُوْيْ (النوغاي). وإن أوائل الروس الذين تواجدوا على ضفاف نهر الترك كانوا من قوزاق تِرِك- جْريبينْ (الجيم تلفظ مصرية- المترجم).

          أما تاريخ تشكل وظهور القوزاق في روسيا فقد كان في النصف الثاني من القرن 15، تشكلوا في البداية من فصائل تتارية ومن جبليي القوقاز، والذين كانوا يخدمون بشكل دائم مقابل مراتب وأجور لدى خانات الأوردي، وحكام الليتوانيين وأمير موسكو العظيم. ونفس كلمة "كازاك" أو (قوزاق- المترجم) تعني الحُرّ، الذي يعمل في الخدمة العسكرية مقابل أجر. وأصل الكلمة تتاري. وفي بداية القرن 16 دخل ضمن تشكيلة القوزاق موظفون روس ليعملوا في الخدمة العسكرية مقابل أجر أيضاً. وهؤلاء خدموا بشكل رئيس في المناطق الحدودية.

          في أواسط القرن 16 ظهرت فئة أخرى من القوزاق الروس- الفئة "الحرّة"، وأفرادها يختلفون عمن يعمل كوظيفة. فهؤلاء يحصلون على مراتبهم من الحكومة، فقط في حالات النزاعات والحروب العسكرية. وفي فترة السلام عاش القوزاق "الأحرار" على نفقاتهم الخاصة، وما ينجزونه من أعمال إنتاجية أخرى. ودخل ضمنهم كل من يرغب من مختلف المدن والقرى والمناطق.

          وأول ما ظهر القوزاق "الأحرار" قرب نهر الترك كان بعد 1578- 1579م، عندما تمت إزالة الحصن الروسي قرب نهر سونجا بطلب من العثمانيين. وتفاديا من المصادمات المباشرة مع الأتراك العثمانيين، نفت الحكومة القيصرية عن طريق ممثليها الرسميين لدى السلطان العثماني بأن يكون لها ضلعا بإسكان القوزاق في حوض نهر الترك، وأكدت بأن "قوزاقاً يعيشون على ضفاف نهر الترك بدون تنظيم حكومي". بينما في الوثائق الرسمية المرسلة إلى الشاه الإيراني- نِد السلطان العثماني- فإن موسكو كشفت عن أوراقها مُعلِنة بأن قوزاق الترك يتبعون لروسيا القيصرية، ويحاربون الأتراك بأمر من القيصر. ومن الجدير بالذكر بأن من أخذ على عاتقه الوصاية على القوزاق، كان نصير موسكو الأمين شيخمورزا أكوتسكي.

          وفي النصف الأول من القرن 17، انقسم قوزاق الترك إلى مجموعتين، هما:

1- قوزاق الغريْبِينْ، الذين عاشوا في المناطق الحدودية (في حاميات)، على هضبة تيرك- سُونْجا، ويُسمَّون "غْريبْني" 2- قوزاق الترك، والذين قطنوا في العادة في المدن الواقعة على الضفة الشمالية لنهر الترك، ويُسَمَّون "زاريْتْسْكِيِه". أما ما قبل أواسط القرن 17، فيُستَحسن تجنب استخدام تعابير ذات مضامين تتعلق بتاريخ تواجد قوزاق الترك- غريبين في شمال القوقاز، مثل "استصلاح"، "توطين"، و"استعمار". ففي الواقع لم يستوطن القوزاق على ضفافي نهر الترك والسُونْجا، لكنهم وُجدوا نتيجة أوامر قيادية مؤقتة، بهدف حماية مصالح موسكو المتعلقة بالطرق التجارية والإستراتيجية المهمة، وبسبب كونهم كانوا في خدمة الدولة مؤقتاً، ولم تكن لهم هنا نشاطات إنتاجية ولا زوجات.

          إن تدفق الروس إلى حوض نهر الترك والاستقرار فيه تم رصده بجلاء، فقط في فترة الحروب والثورات الفلاحية الكبيرة، التي حصلت في القرن 17 وبداية القرن 18. دخل في تكوين القوزاق في تلك المرحلة الجبليون، والفارّون، والأسرى من شعوب مختلفة. ومعروف أيضاً تحرك كبير للشيشان نحو القرى القوزاقية الكبيرة في الفترة التي أخذ فيها الدين الإسلامي ينتشر في بلاد الشيشان، أو عندما كانوا يَجلون من مناطقهم الجذرية في حالات خاصة، كضرورة الجلاء عند حدوث القتل وأخذ الثأر. ومثال على ذلك مغادرة البلاد إلى مناطق القوزاق أعداد كبيرة من ممثلي العشيرة الشيشانية "غُونوي" أو (جونوي بلفظ الجيم مصرية) في القرن السابع عشر.

          إن تجمع جيش القوزاق الدائم في حوض الترك، واستقرار السكان الروس في هذه المنطقة يعود حسب المؤرخ أخمادوف يافوس، إلى أواسط القرن 17. وأن عملية تشكل قوزاقية تيرك- غرِيبين، كمجموعة إتنوغرافية للشعب الروسي وللوسط الإتني الجبلي كانت مطَوَّلة ومليئة بالتناقضات. ولكن في نهاية القرن 17 أصبحت العملية عبارة عن تركيبة متشكلة. وفي هذه الفترة

عاش القوزاق في علاقات تعاون متبادلة مع شعوب عديدة استوطنت هذه المناطق. وكثيراً ما كان القوزاق وشعوب المنطقة يتحدون لصد هجمات خارجية، والتي كانت تقوم بها من حين إلى آخر فصائل من جيوش التركية العثمانية والقرم والإيرانية. ومن الناحية العملية كانت جميع الشعوب الجبلية وعليّة القوم منها مَعنيّة بتقوية علاقات الصداقة والتعاون والتقارب السياسي مع المجتمعات القوزاقية. ولكن من جهة أخرى كانت النزاعات والصدامات تعكر أحياناً صفو أجواء السلام والاستقرار بين الجبليين وما بين القوزاق، والتي غالباً ما كانت تترك آثارها السلبية لدى الطرفين.

          وفي نهاية القرن 17، وبداية القرن 18 انتقلت جميع قرى ومدن القوزاق وبشكل نهائي إلى الضفة اليسرى لنهر الترك، واتحدت هناك لتكون مدناً وقرىً كبيرة لا تزال قائمة حتى هذا اليوم. وفي عام 1721م تم تحديد وضع قوزاق تيرك- جريبين العسكري، عندما أُدرِجوا ضمن أفراد يخدمون في الجيش الروسي برواتب ثابتة. واليوم  فإن سكان خمس قرى قوزاقية كبيرة (سْتانيتسِي) قديمة يُطلق عليهم في كثير من الأحيان قوزاق جريبني أو غريبْني، أم القوزاق الذين يقطنون قرى حوض نهر الترك السفلي فيُسمَّون قوزاق الترك.

          في الستينيات والسبعينيات من القرن 18، أنشأت حكومة يِكاترينا الثانية خط قوزاقي جديد بين حصن موزدوك وما بين تشيرفليوني عن طريق توطين قوزاق الدون فيه. وهذه الخطوة أثارت سخط الشيشان، لأنها اقتطعت منهم الضفة الشمالية من النهر. وخلال الفترة ما بين السبعينيات والثمانينيات من القرن 18، كانت فصائل شيشانية مسلحة تقوم بهجمات مستمرة على ضفاف نهر ترك الشمالية، في محاولات لإزالة الحصون القيصرية والقرى القوزاقية الكبيرة.

التأثيرات الاقتصادية والثقافية المتبادلة

 بين الشيشان وما بين القوزاق

 

          بغض النظر عن الطبيعة الاستعمارية للقيصرية الروسية فيما يخص سياسة التوطين التي مارستها في منطقة نهر التيرِك، إلا أن تجاور الشعوب أدّى إلى اعتمادها وتأثيرها الحقيقي على بعضها البعض في المجالين المادي والروحي.

          وفي نهاية القرن 17 وبداية القرن 18 بدأ القوزاق الروس بالاستقرار على ضفاف نهر التيرِك، واتخاذ هذه الأماكن كمقر عيش دائم لهم، والعمل في الاقتصاد. لذا فهم بحثوا عن علاقات حسن الجوار مع جيرانهم الجبليين. ومن جهة أخرى كان يهرب إلى مدن وقرى القوزاق عشرات العائلات الشيشانية في عمليات الجلاء عن أوطانهم بسبب عادات الثأر والانتقام، وغير ذلك من الأسباب. كما أنه كان يحصل العكس، بأن يلتجئ القوزاق إلى قرى الجبليين والاستقرار فيها، مما أدى مع مرور الزمن تكون "فروع" مكتملة لعشائر شيشانية من أصل روسي. والشيشان الذين انتقلوا إلى قرى القوزاق لم يقطعوا علاقاتهم مع وطنهم. فهم كانوا يتنقلون كتجار ولغايات دبلوماسية، ولمهام تكلفهم بها السلطات القيصرية، والتي بمجملها دون شك ساعدت على تقارب الشعوب.

          ومن جهة أخرى كان لعادات الجبليين أيضاً دوراً كبيراً في تبادل الثقافات بين المجتمعات المتجاورة، كإكرام الضيف، والصداقة، وتبادل تربية الأبناء بين الأسر. واقتضت عادة إكرام الضيف على سبيل المثال أن يُؤمَّن بالمنام والمأكل. ليس هذا فقط، بل قُدِّمت له المساعدة التي احتاجها في أعماله، إضافة إلى الدفاع عنه إذا تطلب الأمر ذلك حتى درجة استخدام السلاح. وقد كرّم الشيشان ضيوفهم بغض النظر عن العِرق أو الأصل أو الدِّين. والصداقة عندهم مهَّدت لاتصالات آمنة ولصداقة دائمة بين ممثلي القوميات المختلفة.

          وحسب قناعة الكاتب الروسي الفذ ليو تولستوي (الذي عاش دهراً في بلاد الشيشان وبين ملّتهم- المترجم)، فالصداقة عند الشيشان تكمن في الآتي: "من أجل أن تصبح صديقاً، وجب حسب العادات، أولاً- تبادل الهدايا، ومن ثم تقبل (تناول) الطعام في بيت الصديق. وبعد ذلك، وحسب العادات القديمة لهذا الشعب (والتي يتم المحافظة عليها ضمن التقاليد والأعراف) يُصبح المعنيون أصدقاء في الحياة والممات. وإذا طلبتُ منه أي شيء، سواء نقود أو سلاح، أو أي شيء آخر، حتى لو كان ذلك الشيء أغلى ما يملك، وجب عليه إعطاءه لي. ونفس الشيء بالنسبة لي أنا، فلا أستطيع أن أرفض له طلباً". إن التبادل الثقافي وتقوية علاقات الصداقة بين القوزاق وما بين الجبليين تعَزَّز عن طريق تبادل الأبناء بين الأسر أيضاً. لقد كان من الشائع بين الطرفين تسليم الأبناء للتربية والتنشئة من قرى الشيشان الجبلية إلى قرى القوزاق وبالعكس، واكتسب بذلك الأبناء اللغة الأخرى، وتعلم القراءة والكتابة، وتعرف على العادات والتقاليد.

          يتّفق المؤرخون، المتخصصون في حياة وتاريخ قوزاق التيرِك- غريبين على دَور وأثر الجبليين في بناء القوزاق لمنازلهم السكنية. فبناء "الساكليا" - وهو عبارة عن بيوت سكنية كان يبنيها الشيشان في جبال القوقاز، انتشر في أماكن عيش القوزاق، وخصوصاً بشكله الخارجي. كما اقتبس القوزاق عن الشيشان طريقة ترتيب المنزل من الداخل. كما وظهر تأثير الجبليين على جيرانهم الروس في الملابس أيضاً. فالقوزاق ارتدوا اللباس القوقازي الشهير، ويسمّونه (تشركيسْكا)، والجزمة القوقازية، وطاقية الرأس المصنوعة من فرو أفضل أنواع الماعز الجبلي. ونساء القوزاق لبسن كذلك كما لبست النساء الجبليات. كما واقتبس القوزاق من جيرانهم الجبليين جميع أنواع السلاح الأبيض، وهم ثمَّنوا السيف ويُسمّيه الشيشان تيرْسْ مَيْمَلْ، والكَلْدَن. وجُلّ اهتمامهم انصب على السيف، الذي كان يُصنع في قرية آتاغا الشيشانية، وهو يُذكَر حتى في الأغاني الشيشانية.

          وبالمقابل اهتم الشيشان كثيراً بالصناعات الروسية الخفيفة مثل الأقمشة والآنية، والحديد ذو النوعية الجيدة، وبالسلاح الناري.

          إن العلاقات القوقازية الجبلية، السياسية والاقتصادية، المتبادلة، لم تكن لَتَتطوّر دون معرفة متبادلة باللغة ولو على نطاق مبدأي. فالقوزاق الروس تعرّفوا على لغات الجبليين، واستخدموها في حياتهم اليومية المعتادة. وبنفس الوقت كانت الحكومة الروسية تعلم اللغة الروسية لرهائنها من الجبليين المحتجزين في قلعة قيزليار.

          إن الجوار وعلاقات القرابة مع الجبليين، ساعد القوزاق على اقتباس فنون الرقص والموسيقى والآلات الموسيقية عن الجبليين. وتَغَلْغَلَت الرقصات الشيشانية بصورة وطيدة في حياة ومعيشة قوزاق الغرِيبين. كما وتغيرت طبيعة سير مراسيم الزواج عند القوزاق، وأصبحت تقام حسب العادات الشيشانية "بو تشيتشينْسْكي". واختُتمت الحفلات الروسية الشعبية برقصة "اللّيزْغينْكا" الشيشانية.

حركات التحرر الوطني في الشيشان (القرن 16-18)

 

          اتصفت العلاقات الاجتماعية في بلاد الشيشان ما بين القرنين 16- 18 بنفس خواص عصر الإقطاع المبكّر. وظهرت الاختلافات في الملكية والطبقية بدقَّة نسبية في المناطق الجبلية أو السهلية من البلاد. واستمرّت التناقضات الطبقية في المجتمع الشيشاني أحياناً على شكل احتجاجات اجتماعية متنوعة.

          إن أهم مميزات الاحتجاجات الاجتماعية في الشيشان في القرن 18 كانت في الالتحام القوي للحركات المعادية للإقطاع والاستعمار. إن رؤوس الطبقية الشيشانية تحالفت بشكل علني مع ممثلي النظام القيصري في شمال القوقاز، خلال مرحلة تطور العلاقات الروسية - الشيشانية، واستَخدَمت الدعم الروسي المباشر لتقوية سلطتها على العموم، وفي قمع أي احتجاج.

          ومن المميزات المهمة الأخرى للحركات الوطنية في الشيشان في تلك الفترة، هو المشاركة الواسعة لممثلي الشعوب القوقازية والشعب الروسي "بُونْتُوفْشِيكي" (أي المتمردون- المترجم). ومن المعلوم أنه في نهاية القرن 17، وبداية القرن 18 التجأ مئات المشاركين في الاضطرابات المعادية لِنظام الرِّقّ الإقطاعي في جنوب روسيا إلى شمال القوقاز، ومن بينها قرى الشيشان الجبلية. ولكن في حقيقة الأمر كل ذلك لم يُحوِّل بلاد الشيشان إلى "ملجأ" خاص من نوعه لمواطنين أُباة وأحرار فحسب، ولكن أيضاً إلى مكان آمن للقَتَلة واللصوص، وغيرهم من العناصر المعادية للمجتمع قدمت من كل مناطق القوقاز، ومن المدن والقرى الحدودية الروسية.

          إن أول انتفاضة، من حيث الزمن، معادية للاستعمار القيصري قام بها الجبليون الشيشان في القرن 18، تعود إلى عام 1708م، والتي كانت موجَّهة ضد الإدارة العسكرية في مدينة تِيرِكْ.

          وانتفاضة كبيرة أخرى حصلت في الشيشان (1757-1758) بِدافع التنازع الداخلي الإقطاعي بين الأمراء المحليين، وتدخل السلطة الإقطاعية فيه. ومن أجل قمع الانتفاضة قامت الحكومة القيصرية بحملة عسكرية كبيرة. لكن الاشتباكات العسكرية المتكررة لم تُحرز نجاحات ملموسة لا بالنسبة للحكومة القيصرية ولا بالنسبة للمتمردين. وعادت القوات القيصرية إلى قيزليار. واعترف قائدها في إخبارية في مدينة بطرسبيرغ بأن المنتفضين "لم يتم إخضاعَهم".

          وبعد عقد معاهدة سلام عام 1774م،مع تركيا، استحالت الإمبراطورية الروسية إلى أكبر قوة مؤثرة في منطقة القوقاز، وقامت بتعزيز مواقعها فيها بإقامة نظام حصون كامل (خط القوقاز الحربي)ز ونمت في الشيشان وغيرها من مناطق شمال القوقاز حركات جماهيرية عامة ضد القيصرية من جديد.

          وفي عام 1785م، ظهرت على الراضي الشيشانية حركة شعبية عارمة بقيادة الإمام الشيخ منصور، والتي نمت وتطورت تحت شعارات دينية إسلامية. وأعلن الشيخ منصور "حرباً مقدّسة" ضد القياصرة الروس- حرب الغزوات. وفي هذه المعركة وقع الجيش القيصري المكون من ألفي جندي تحت حصار الجبليين، وقُضي عليه. وانتشر نبأ انتصار منصور في منطقة القوقاز بأسرها. وأخذت مفارز جيش منصور تتعزز بانضمام ممثلين من شعوب قوقازية مختلفة. وبعد ذلك قام منصور بعدة محاولات للاستيلاء على حصن قيزليار، ولكن دون جدوى. وفي هذه الفترة اضطرت الحكومة القيصرية بزيادة عدد جنودها في القوقاز زيادة هائلة، والقيام بعدة حملات عسكرية قبل أن يتم القبض على الشيخ منصور عام 1791م، واقتياده إلى مدينة بطرسبيرغ، والحكم عليه بالسجن مدى الحياة في حصن شليزربرغ، حيث مات فيه عام 1794.

 

 

 

الوضع السياسي في شمال القوقاز/ حالة بلاد الشيشان

في القرن 18 وبداية القرن 19

 

          إن غياب نظام الدولة، وسيطرة الإقطاعية الفوضوية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، سببت ضعفاً معيناً لجبليي شمال القوقاز. كان ذلك قبيل التعرض لهجوم الدول العظمى من جهة الشرق ومن روسيا. نستطيع الحديث بنفس الوقت، حسب آراء عدد من الشخصيات الحكومية، وحسب الوضع الحقيقي الذي ساد في شمال القوقاز عن أزمة "الأمانة" التي أبدتها الشعوب الجبلية القوقازية تجاه روسيا بالمفهوم الرسمي لذلك الوقت. وبصدد وجهات نظر الأوساط الحكومية الروسية بشأن "استسلام" (خضوع) الجبليين، تعرضت إلى ضربات في طريق تطورها. ومسألة خضوع الجبليين المباشر تراجعت إلى مهام من الدرجة الثانية. أما الشيء المهم والذي اعتبر من الدرجة الأولى فكانت فكرة إيجاد دولة قوقازية فيدرالية، صديقة لروسيا. وظهرت هذه الفكرة في وثيقة رسمية عن "وضع الشعوب الجبلية"، وصادقت عليها القصيرة يكاترينا الثانية. إلاّ أن هذه الخطة لم تُجسّد بصورة واضحة وكافية.

          إن فترة نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، قد بينت للدولة القيصرية بصورة مقنِعة أن استقلال عدد من الشعوب الجبلية ليس إلاّ شيئاً عابراً. لذا فعلى مستوى الخطوات العملية انتقلت القيصرية لاتخاذ تكتيك يشوبه الحذر، في محاولة لتجنّب النزاعات المسلحة مع الجبليين في منطقة شمال القوقاز.

          إن عامل استقرار العلاقات الروسية مع السكان الجبلين، والتي بفضلها تم المحافظة على أهميتها الإيجابية كانت الروابط التجارية الاقتصادية. وأصبح الجبليون يطمحون إلى التقارب مع الشعب الروسي، وممارسة التجارة معه بسلام ووئام.







  [:/COMPONENT:]
[:/BODY:]